لماذا لا تؤدي الفلسفة الرّواقية إلى السعادة

5–⁦8⁩ من الدقائق

·

·

, , ,

إن منطق الرواقية ونظرتها إلى العالم الطبيعي يثيران الإعجاب عندما تقرأ عنها بشكل سطحي في البداية، لأنهما يقدمان الكثير من الوعود المليئة بالأمل. وأعتقد أن هذه الميزة هي السبب وراء انتشار هذه الفلسفة القديمة في عصرنا هذا، فهي فلسفة تعلم الناس كيفية التعامل مع الحياة بهدوء ومرونة عن طريق التركيز على ما يمكن التحكم فيه مثل أفكارنا وتصرفاتنا لأننا -حسب المذهب الرواقي- لا يمكننا تغيير كل شيء في الحياة، لكننا نستطيع التحكم في ردود أفعالنا تجاه الأحداث.

سُمي هذا المذهب الفلسفي بـ”الرواقية” (Stoicism بالإنكليزية)، وهو اسم جاء من الكلمة اليونانية “ستوا” (Stoa) التي تعني “البرج” أو “الرُّواق”. تم تسمية الفلسفة بهذا الاسم لأن الفيلسوف زينون، مؤسس المذهب الرّواقي، كان يُدَرِّس في رواق في مدينة، وهو مكان مغطى كان الناس يجتمعون فيه للاستماع إلى المحاضرات الفلسفية، وقد نشأ

بدأت الرواقية في اليونان ثم ازدهرت لاحقاً في روما، ويعتبرها البعض واحدة من أهم المذاهب الفلسفية الغربية. كان هدف الرواقيين تقديم طريقة تساعد الإنسان على الوصول إلى راحة البال وثبات النفس في كل الظروف، وآمنوا بأن الفضيلة (مثل الصدق، الشجاعة، وضبط النفس) هي القيمة الحقيقية، وليست المال أوالشُّهرة أوالمتعة. كما اعتبروا أن العالم تحكمه قوة عقلية تُعرف أحيانًا بـ”النار الإلهية”، وأن الإنسان يجب أن يعيش وفق النظام الطبيعي الذي تفرضه هذه القوة، في انسجام داخلي وخارجي. وفي نظر الرواقيين، العالم ليس سوى مدينة كبيرة، كل البشر مواطنون فيها، ولهذا آمن الرواقيون بوجوب تحمّل الجميع مسؤولية الشؤون العامة بالعدل، واعتبروا أن الشفقة والرحمة ليستا فضيلتين بل انحرافًا عن القانون الطبيعي (1).

تخبرنا الفلسفة الرواقية بوجوب استخدام عقولنا لفهم العالم وإدراك أننا جزء من خطته الطبيعية، وأن على كل واحد منا أن يتصرف وفقاً لهذا الفهم، وهذه الفكرة، المتمثلة في كوننا جميعاً أجزاء من الطبيعة الكبرى، تشجع على التفكير الشامل والنظر إلى الصورة الكبيرة، أي رؤية العالم من الأعلى، لأن الرواقية تتضمن التأمل في الآخرين وما يحيط بنا، للوصول إلى “صورة أكبر” ورؤية أنفسنا في سياق يرتبط بالآخرين، ومن ثم رؤية أنفسنا والآخرين معاً ضمن سياق العالم كله، فالهدف هنا هو تحديد دورنا وأهمية ما يحدث في حياتنا، أي أن الهدف هو أن نعيش في وِفاق وانسجام مع الطبيعة (2).

ومن الجوانب الإيجابية الأخرى التي تجذب الناس إلى الرواقية أنها ليست مجرد مجموعة من الادعاءات الأخلاقية، بل هي أسلوب حياة يعلمك التفكير المنطقي، والحوار مع الذات، والتأمل، وإجراء مراجعات يومية للتفكير في مشكلاتك وحلولها، والبقاء في الحاضر. إنها عملية دائمة من التذكير الذاتي.

في تأملاته، قدم لنا ماركوس أوريليوس بعض الأمثلة بقوله:

قل لنفسك في الصباح الباكر: سأقابل اليوم رجالاً جاحدين، عنيفين، خائنين، حسودين، عديمي الرحمة. وكل هذا نتيجة جهلهم بالخير والشر الحقيقيين. لا يمكن لأحد منهم أن يؤذيني، لأنه لا أحد يستطيع أن يجرني لفعل الشر، ولا يمكنني أن أغضب من قريبي أو أكرهه؛ لأننا وُجدنا في هذا العالم لنعمل معاً.”

إلى هنا، يبدو الأمر جيداً! فإذا كانت هذه هي كل الرواقية، فقد أفكر فعلاً بالانضمام إلى “نادي الرواقيين”. لكن الواقع أن كثيرين – إن لم يكن معظم – من أتباع المذهب الرواقي هذه الأيام ليسوا رواقيين حقيقيين. إنهم يختارون ما يناسبهم من هذه الفلسفة ويعدلون أو يتجاهلون بقية الأجزاء حتى لا يصطدمون بأكثر عيوب الرواقية إزعاجاً، وهو أنها تقتل إمكانية أن تكون أكثر سعادة، لأنها تدربك على أن تكون غير مبالٍ وعديم الطموح.

اتباع الرواقية بمبادئها الكاملة يعني أن تجد نفسك فريسة للسلبية وقلة الطموح أوانعدامه كلياً، لأنها تقلل من أهمية السعي للتغيير والتحسين في الحياة. قد يقول لك الرواقي أن على البشر السعي وراء السعادة، وأن هذه السعادة لا تُوجد إلا في عيش اللحظة وقبول كل ما تقدمه، دون السماح للرغبات في الملذات أو الأمور الخارجة عن سيطرتنا، مثل الخوف أو الألم أو الفقدان، بالتحكم فينا، ولكنها في نفس الوقت تدعوك لتقبل وضعك فيما يشبه الاستسلام البليد.

تخيل معي أن تشكتي للرواقيّ من الفقر مثلاً، ماذا سيكون رده؟ على الأغلب سيقول لك الرواقيون الأصيلون أن عليك أن ترضى بفقرك لأنك تستحق فقط ما لديك. ما مدى اليأس (وربما الخطورة) في هذه الفكرة؟ إذا كنت مريضًا (أي لا تملك الصحة)، فهل تستحق الصحة؟ وماذا لو كنت جاهلاً (أي لا تملك المعرفة)، فهل تستحق التعليم؟ هل يستحق الطفل اليتيم أن يكون له أبوين؟ وهل يستحق اللاجيء المشرد في خيمة أن يكون له وطن وبيت؟ لا و لا ولا! وبما أنك لاتستحق أي شيء لاتملكه الآن، فلماذا تسعى للحصول عليه؟ لماذا تدرس وتعمل وتحلم وتبحث عن الحب؟

لو كنا نستحق فقط ما نملكه، لغرق عالمنا كله في الجمود وانقرضنا منذ زمن بعيد، فإذا كنت تؤمن بأنه ليس من حقك الحصول على حاجات ورغبات وأمنيات، فلماذا تنهض من سريرك كل صباح للعمل؟ لا أحد سيسعى إلى تغيير حاله إذا أقنعناه أن حاله تلك هي كل ما يستحق، فكم سيكون عالمنا بائساً بلا طموح؟ ولهذا أعتقد أن علماء الاقتصاد والتجار سيكونون ألد أعداء الرواقيين!

ثم ماذا لو حاول اللصوص سرقة بيتي؟ هل يجب أن أبقى هادئًا وأتذكر أن ردود أفعالي هي سبب غضبي أو حزني، وليس حقيقة أن اللصوص يسرقون بيتي أمام عينيّ الآن؟ الرواقية تقول لك أن محاولات تحسين ظروف حياتك هي التي تزيد من احتمالات حزنك، لأن عليك التركيز فقط على الفضائل التي يمكنك التحكم بها وتقديرها. في العقل الرواقي النموذجي، كل شيء محدد سلفًا، وعليك أن تتقبله فقط. باختصار: هذه فلسفة تشجع على الاستسسلام وليس السلام الداخلي. إنها تعلمنا أن ننهزم من الداخل ونرضخ لواقعنا بغض النظر عن قدراتنا ومدى قسوة ذلك الواقع وضرورة تغييره.

هناك مشكلة أخرى مزعجة في المعتقدات الرواقية وهي أنها مدمّرة من الناحية العاطفية، وسأسمح لنفسي هنا أن أسخر الفلاسفة الرواقيين القدامى، فنظرتهم للروابط العاطفية تجعلني أحياناً أشك أنهم قد تعرضوا للأذى بشدة حتى صاروا يخافون من الألم أو الفقدان. لقد فشلوا في رؤية أي خير في الخسارة أو في المرور بالمِحن، إلى درجة جعلتهم يقررون ببساطة “عدم الإحساس” أو التصرف كما لو أن كل شيء لا يهم طالما أنه خارج نطاق سيطرتهم.

الفيلسوف الرواقي اليوناني إبكتيتوس كان يعتقد أن الارتباط بأي شخص ليس فكرة جيدة لأنك قد تفقده، فقد قال في محاوراته:

“في اللحظة نفسها التي تستمتع فيها بشيء، قدم لنفسك الانطباع المعاكس. ما الضرر من أن تقول، وأنت تقبّل طفلك الصغير: غدًا ستموت؟ أو لصديقك: غدًا سيرحل أحدنا ولن نرى بعضنا البعض بعد الآن؟”

بصراحة، لو قال لي صديق أو قريب هذا الكلام، سأقلق عليه كثيراً!

لذلك، فالرواقية التي صارت تقليعة رائجة مؤخراً لا تملك سر السعادة كما يدعي البعض، بل إن الرواقيين الأوائل لم يسعوا للسعادة كما نفهمها نحن اليوم، أي أنها لم تكن تعني شعوراً عاطفياً أو حالة ذهنية. بالنسبة لهم، كانت تعني ببساطة أن تكون “روحًا طيبة” أو “إنساناً صالحاً” أو “أرقى شكل من أشكال الإنسان”، ولهذا كانت هي الهدف الأسمى لديهم. فالسعادة في المفهوم الرواقي تشير إلى الحياة التي تعيشها وفقاً للفضائل مثل الحكمة والشجاعة والعدالة، وليس مجرد شعور بالفرح أو السعادة العاطفية. كانت السعادة في المفهوم الرواقى مرتبطة بالحياة العيشية التي تتسم بالعقلانية والتوازن الداخلي والاتصال بالعالم الطبيعي، وليس التعلق بالملذات أو الشعور العابر.

حتى وإن كان هذا الهدف ممتعًا أو مبهجًا، فإن البهجة نفسها لم تكن مهمة بالنسبة لهم ولم تكن هي ما يسعون إليه. هدفهم كان أن يكونوا بشراً صالحين، وهذا قد يجعلك سعيداً أو العكس، أي أن الأمر يعتمد على السياق. مثلًا، إذا كنت جنديًا ورفضت قتل مدنيين أبرياء، قد يتم إيذاؤك أو قتلك. لن تشعر بالضرورة بالسعادة وأنت تنقذ أرواح المدنيين، لكنك عملك هذا يعني أنك إنسان صالح.

بالنسبة لي، على الأقل، السعادة هي أن يكون لنا هدف في هذه الحياة، وبعد ذلك، إذا عرفنا ما نحتاج إليه، وعملنا بذكاء واجتهاد لنحققه، فإن حياتنا ستكون أكثر جدارة بالعيش وأكثر متعة.

تجنب الألم لايعني بالضرورة أن نكون سعداء، لكن حاجتنا للإنجازات مهما كانت صغيرة، هي ما يمنحنا السعادة ويعطي المعنى لوجودنا في هذه الحياة.

المراجع

1. Saunders, & Lewis, J. (2025, April 25). Stoicism | Definition, History, & Influence. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/topic/Stoicism

2. Stoicism (Stanford Encyclopedia of Philosophy/Spring 2010 Edition). (2008, February 7). https://plato.stanford.edu/archIves/spr2010/entries/stoicism/

إن منطق الرواقية ونظرتها إلى العالم الطبيعي يثيران الإعجاب عندما تقرأ عنها بشكل سطحي في البداية، لأنهما يقدمان الكثير من الوعود المليئة بالأمل. وأعتقد أن هذه الميزة هي السبب وراء انتشار هذه الفلسفة القديمة في عصرنا هذا، فهي فلسفة تعلم الناس كيفية التعامل مع الحياة بهدوء ومرونة عن طريق التركيز على ما يمكن التحكم فيه…

كتابة تعليق Write a Comment

Feature is an online magazine made by culture lovers. We offer weekly reflections, reviews, and news on art, literature, and music.

Please subscribe to our newsletter to let us know whenever we publish new content. We send no spam, and you can unsubscribe at any time.

→ العودة

شكرًا لك على ردك. ✨

Designed with WordPress.