متى يجب أن تكون صديقاً حازماً؟

تخرجت إحدى صديقاتي حديثًا وتوظّفت كمعلمة في مدرسة ابتدائية. كانت سعيدة في البداية بحصولها على وظيفة بعد عناء البحث الطويل، ولكن بعد أيام قليلة، بدت عليها علامات الإحباط، وصارت معظم مكالماتنا تدور حول خيبة أملها في تلك الوظيفة وخوفها من مستقبلها فيها، وفي نفس الوقت، كانت تشكو من أنها تشعر بأنها مرغمة على مواصلة عملها في تلك المدرسة بسبب حاجتها للمال.

تعاطفت معها في البداية، فكلنا نعرف شعور الاضطرار لمواصلة وظيفة لا تناسبنا في سبيل أن نوفر احتياجاتنا الأساسية، لكنها كانت تشعر بالإرهاق النفسي والجسدي، فمديرتها في العمل كانت تطلب منها باستمرار القيام بمهام خارجة عن وصفها الوظيفي دون أي تقدير أو مقابل مادي إضافي.

في البداية، حاولت أن أكون الصديقة الصبورة التي تستمع، وحاولت أن أهدئها بكلام لطيف ودعم متواصل لمشاعرها، واقترحت عليها البقاء في الوظيفة لاكتساب الخبرة، وتعلُّم مهارات أساسية، ومحاولة وضع حدود لاستغلال مديرتها، ولكن بعد ثلاثة أشهر من تكرار الشكوى نفسها، أدركت أنني لا أساعدها فعلاً، بل كنت، بدون وعي مني، أجعل حالتها تزداد سوءاً لأنني مكنتها من الغرق في الإحباط والشكوى والتذمر دون أن تتخذ أي خطوة فعلية لحل مشكلتها.

لذلك قررت أن أغير طريقتي تماماً، وسألتها: “هل ترغبين حقاً في نصيحة صادقة؟ أم مجرد كلام لطيف وتربيت على كتفيكِ؟” وفاجأتني بقولها إنها مستعدة للاستماع لأية نصيحة حتى لو كانت قاسية.

وهنا استغللت هذه الفرصة لأشاركها وجهة نظري، وكيف كنت سأتصرف لو كنت أنا مكانها، وقلت لها: “في الحقيقة، كنت في مثل موقفك هذا سابقاً أكثر من مرة، وتمنيت لو أن أحداً أعطاني هذه النصيحة، ولهذا سأقولها لك الآن. اسمعيني جيداً. لو كنت بحاجة للمال وعندي سبب قوي يدفعني للنهوض من السرير كل صباح، كنت سأطرح على نفسي هذا السؤال: هل الاستقالة ستجلب لي فوائد أكثر من البقاء في وظيفة أكرهها؟ إذا كانت الإجابة نعم، سأستقيل فوراً، وإذا كانت لا، سأبقى، والأهم هو أنني سأعتبر بقائي في تلك الوظيفة خياراً جيداً، وسأتعامل مع وظيفتي بإيجابية وأحاول أن أبحث عن الأشياء الجميلة فيها وأحبها، وفي نفس الوقت، سأبحث عن فرصة أفضل، وهكذا سأرغم نفسي على أن أكون إيجابية، وفي كلتا الحالتين، سأتحمّل مسؤوليّة قراري.”

لم ترد صديقتي فوراً. أخذت وقتاً لتفكر، وبعد بضعة أيام، اتصلت بي وقالت أنها قررت بالفعل أن تبقى، ولكن مكالمتها تلك دامت أكثر من ساعة، لم تتوقف خلالها عن الشكوى والتذكرة، وهنا كان لابد أن أوقفها:

قلت لها: “لقد اخترت البقاء لأنك قررت أنه أفضل لك من ترك هذه الوظيفة، ويجب أن تتحملي مسئولية اختيارك، لماذا لا تتوقفين عن التذمر إذن؟”

لم بعجبها تعليقي أبداً، وردت علي بعصبية: “ألا يحق لي أن أفضفض وأفرّغ مشاعري السلبية معكِ؟ أليس من واجب الصديق ناحية صديقه أن يسمعه عندما يكون بحاجة للشكوى؟”

هنا اضطررت لأن أكون صريحة جداً معها، وقلت لها أنني لا أرفض أن تشكو لي، ولكن كثيرة الشكوى والانغماس في وحل التذمر العميق لايمكن أن يحل المشاكل — بل يضخّمها، فتكرار نفس الشكاوى يجعلنا نعيشها باستمرار، ويعمّق شعورنا بعدم الرضا. وبدلاً من ذلك، شجعتها على توجيه هذه الطاقة نحو خطوات صغيرة وقابلة للتنفيذ لتحسين وضعها أو استكشاف بدائل أخرى.

للأسف، صدقي جرح مشاعر تلك الصديقة، ورغم أني شعرت أنني قسوت عليها، ولكنني كنت مهتمة جداً بمصلحتها على المدى البعيد، فأحياناً.. أن تكون صديقًا جيدًا يعني أن تكون صديقاً حازماً.

ذكّرتني هذه الحادثة بقصة شاركتها مدرّبة سباحة عن إنقاذها لصديقة كانت تغرق، وكانت في حالة من الهلع جعلتها على وشك أن تسحب المدربة تحت الماء معها.

ورغم الخطر، استطاعت المدربةإنقاذ صديقتها فقط بعد أن وجهت لها ضربة قوية ومؤلمة لتوقف حركتها العشوائية. لم تكن الضربة بدافع القسوة؛ بل كانت ضرورية لإنقاذ حياتها.

أحيانًا، نحتاج أن نكون ذلك الصديق الحازم — لا لنؤذي، بل لنساعد. السماح لشخص ما بالغرق في سلبيته أو أخطائه دون تدخل لا يخدمه أبداً، فالأصدقاء الحقيقيون لا يقدّمون الراحة فقط؛ بل يواجهوننا بأخطائنا عندما يتطلّب الأمر.

:ولكن.. ما معنى أن تكون صديقًا حازماً. أعتقد أن النقاط التالية مهمة

  1. ضع حدودًا: الاستماع مهم، لكن له حد. لا بأس أن تقول: “أنا أهتم لأمرك، لكن هذا النمط السلبي ليس صحيًا لك.”
  2. كن صادقًا: تجميل الحقيقة أو الاستغراق في الشكوى لا يساعد أحدًا على النمو. قل الحقيقة بلطف لكن بحزم.
  3. شجّع على اتخاذ خطوات: ساعد صديقك على اتخاذ إجراءات لحل مشكلاته، سواء بوضع حدود، أو البحث عن فرصة جديدة، أو إعادة النظر في طريقته في رؤية الأمور.
  4. ابقَ إلى جانبه: الصراحة لا تعني التخلي عمن نحبهم. يجب أن تمنح صديقك الطمأنينة وتؤكد له أنك موجود إلى جانبه من أجل دعمه في النمو، وليس لتعزيز ركوده.

الصداقة الحقيقية ليست فقط في التواجد وقت الشدّة؛ بل في مساعدة بعضنا البعض على التحسن والتطور من خلال علاقتنا الإنسانية تلك. أحيانًا، يكون ذلك بلطف. وأحيانًا، بالشجاعة الكافية لنقول ما يجب قوله — حتى إن كان يصعب عليهم سماعه.

ففي النهاية، الأصدقاء الحقيقيون ليسوا فقط من نمسح دموعنا على أكتافهم، بل هم من يساعدوننا على الوقوف بثبات — حتى لو تطلّب الأمر دفعة خفيفة أو قوية للخروج من منطقة شعورنا بالراحة ومواجهة مشاكلنا بواقعية وإيجابية.

تخرجت إحدى صديقاتي حديثًا وتوظّفت كمعلمة في مدرسة ابتدائية. كانت سعيدة في البداية بحصولها على وظيفة بعد عناء البحث الطويل، ولكن بعد أيام قليلة، بدت عليها علامات الإحباط، وصارت معظم مكالماتنا تدور حول خيبة أملها في تلك الوظيفة وخوفها من مستقبلها فيها، وفي نفس الوقت، كانت تشكو من أنها تشعر بأنها مرغمة على مواصلة عملها…

كتابة تعليق Write a Comment

Feature is an online magazine made by culture lovers. We offer weekly reflections, reviews, and news on art, literature, and music.

Please subscribe to our newsletter to let us know whenever we publish new content. We send no spam, and you can unsubscribe at any time.

→ العودة

شكرًا لك على ردك. ✨

Designed with WordPress.