مع استخدام الملايين لوسائل التواصل الاجتماعي يوميًا، أصبح من المؤكد أن الإنترنت قد نسج نفسه في نسيج حياتنا اليومية. فهو المكان الذي نتواصل فيه مع الأصدقاء، ونشارك لقطات من مغامراتنا اليومية، ونضيع وقتنا في تدفق مقاطع الفيديو اللطيفة للقطط.
إحدى الجوانب البارزة لاستخدام الإنترنت هي القدرة على التفاعل مع الآخرين مع إخفاء هويتنا. أن تكون مجهولاً في الإنترنت هو أمر له جانبان: أحدهما جيد والآخر سيء، ولهذا تثير المجهولية الكثير من الجدل، فهناك من يدافع عن استمرارها، وهناك من يرى ضرورة تقييدها [1].
ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة تشكل بالفعل جزءاً كبيراً من السبب الذي يجعل الإنترنت مكاناً رائعاً ومخيفاً في آنٍ واحد. فكون الشخص مجهولاً على الإنترنت يسهّل استخدام أسماء وهمية، وإنشاء حسابات غير موثّقة، واستخدام تقنيات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) التي تُخفي عنوان IP. هذا الأمر يمكن أن يحوّل أي شخص إلى “مُتَنَمِّر إلكتروني” (وهو الشخص الذي يهاجم ويضايق الآخرين عبر الإنترنت). ومع القدرة على البقاء مجهولًا، قد يتحوّل شخص مسالم لا يؤذي ذبابة في الحياة الواقعية إلى شخص يوجه اللكمات اللفظية كأنه ملاكم محترف.
وتدعم هذه الملاحظة دراسة أظهرت أن المجهولية (أي أن تكون مجهول الهوية على الإنترنت) وانعدام التواصل البصري تجعلان الناس أكثر عدوانية على الإنترنت [2]. تخيل أن تحاول إهانة شخص وأنت تنظر في عينيه – ليس بالأمر السهل، أليس كذلك؟ لكن، بمجرد أن يختفي هذا التواصل البصري يشعر الناس بالجرأة لقول أفظع العبارات، ولهذا يُعد التنمّر الإلكتروني مشكلة خطيرة تنمو في ظلال المجهولية، حيث تزيد من التعليقات الكارهة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً تلك المتحيزة جنسيًا [3]، وكأن الناس يصبحون فجأة أسوأ نسخة من أنفسهم عندما يعرفون أنهم لن يُحاسبوا على أفعالهم بسبب إخفاء هوياتهم.
كما وجدت دراسة أخرى أن المجهولية يمكن أن تدفع بعض الأشخاص إلى ارتكاب أعمال غير قانونية عبر الإنترنت [4]. فالشخص الخجول بطبعه قد يصبح واثقًا على نحو مفاجئ وهو خلف الشاشة، لأن المجهولية قد تغير سلوكنا وتمنح بعضنا وهم الشعور بأنهم أبطال خارقون! لكن بدلاً من محاربة الأشرار، يستخدم البعض قوتهم لإيذاء الآخرين من الأبرياء. الأمر أشبه بإعطاء طفل مشاغب مطلق الحرية في متجر للحلويات – من الواضح أن النهاية لن تكون سعيدة.
وهذا ما عانت منه أماندا تود، فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا من مقاطعة بريتيش كولومبيا، في كندا. فقد تم إجبارها على كشف جسدها عبر كاميرا الويب، وتلقت مئات التهديدات الإلكترونية من رجل يبلغ من العمر 44 عامًا يُدعى “آيدن كوبان”، فقد طالبها بإرسال عروض كاميرا ويب إضافية بعد أن هددها بأنه سينشر العرض الذي أرسلته سابقاً، واستخدم منصات وأسماء مستخدمين مختلفة لتهديدها، ثم استخدم صورها لابتزازها بالمزيد من العروض لجسدها المكشوف[5].
ورغم أن أماندا غيرت المدرسة وانتقلت مع أسرتها إلى مدينة أخرى، إلا أن المضايقات استمرت، وظلّت تتعرض للتنمر الإلكتروني دون انقطاع. وفي سبتمبر 2012، نشرت أماندا فيديو تسرد فيه قصتها، ثم في أكتوبر من نفس العام، أنهت حياتها بالانتحار، لأنها لم تعد قادرة على تحمل الألم أكثر. انتشر فيديو أماندا المفجع على نطاق واسع، وجذبت قصتها اهتمامًا محليًا ودوليًا، مما دفع الحكومة الكندية إلى اتخاذ إجراءات ضد التحرش الإلكتروني من خلال تجريم نشر صور الأفراد دون موافقتهم. ونتج عن ذلك إصدار القانون C-13، المعروف بقانون “حماية الكنديين من الجرائم الإلكترونية”، ثم بعد عشر سنوات، تم القبض على آيدن كوبان وحُكم عليه بالسجن 13 عامًا [6].
من المهم هنا أن نتذكر أن المجهولية ليست أداة يستخدمها أصحاب النوايا السيئة فقط؛ بل إنها توفّر أيضاً فوائد كثيرة للمستخدمين المسالمين. على سبيل المثال، نعلم جميعًا أن إخفاء هويتنا على الإنترنت يحمينا ويحافظ على خصوصيتنا، مما يعزز من أمننا الشخصي ويحمينا من هجمات المحتالين والقراصنة.
وبالمثل، تتيح المجهولية للناس التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم بحرية أكبر دون خوف من الأحكام، فقد وجدت دراسة تحليلية أن الأشخاص يشعرون براحة أكبر عند الحديث عن أنفسهم ومشاركة تفاصيل شخصية عندما يكونون مجهولين عبر الإنترنت [7]. وهذا يمكن أن يكون مفيدًا للغاية، خاصة لأولئك الذين يعانون من القلق الاجتماعي، إذ يمنحهم مساحة للتواصل مع الآخرين والعثور على مجتمعات داعمة دون التضحية بخصوصيتهم، فبالنسبة لمن يعانون من خجل مَرَضِيّ أو رُهاب اجتماعي، المجهولية قد تكون أشبه بشراب سحريّ يمنحهم تلك الجرأة والشجاعة التي يحتاجونها في حياتهم الواقعية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك فائدة مهمة أخرى للمجهولية على الإنترنت، وهي أنها تمنح القوة للأشخاص والفئات التي تعاني القمع، أي أنها تدعم أنشطة حقوق الإنسان. على سبيل المثال، نظرًا لأن ضحايا الاعتداء الجنسي لا يتحدثون غالبًا خوفًا من الوصمة أو النقد من المجتمع، قامت مجموعة من ناشطات حقوق المرأة في البحرين بإنشاء حساب “Catcalls of Bahrain” على إنستغرام لتوفير مساحة آمنة للضحايا لمشاركة قصصهن دون الكشف عن هوياتهن، والمطالبة بقوانين أكثر صرامة ضد المعتدين [8].
ومن خلال إخفاء هوياتهم، يمكن للأفراد والمجموعات المستضعفة التمتع بحرية التعبير، لمواجهة الظلم، والدفاع عن حقوق الإنسان، ودعم القضايا العادلة. فلو لم تكن المجهولية مسموحة على الإنترنت، فإن من يشاركون في مثل هذه الأنشطة قد يتعرضون للتمييز والتحرش، وفي بعض مناطق العالم، قد يواجهون الاضطهاد، أو التعذيب، أو حتى الإعدام، وهذا يعني أن المجهولية، في بعض الحالات، قد تنقذ الأرواح.
إذن، هذه الظاهرة المثيرة للجدل أثارت نقاشًا حادًا بسبب ما تحمله من مخاطر ومنافع. فمن جهة، تحمي المجهولية الخصوصية، وتعزز حرية التعبير، وتدعم حقوق الإنسان. ومن جهة أخرى، قد تؤدي إلى التنمّر الإلكتروني وسلوكيات ضارة. لذلك، يجب أن نسعى إلى حلول متوازنة تعظّم فوائدها وتقلّل من أضرارها. ويمكن تحقيق ذلك، من وجهة نظري، من خلال إيجاد طرق لمحاسبة الأشخاص مع الحفاظ على خصوصيتهم، مما يجعل الإنترنت مكانًا أفضل للجميع. لذا، في المرة القادمة التي تختبئ فيها خلف شاشتك، تذكّر أن مع المجهولية الكبيرة تأتي مسؤولية كبيرة أيضًا.
المراجع
١. Aldridge, J. (2019). Does Online Anonymity Boost Illegal Market Trading? Media Culture and Society. https://doi.org/10.1177/0163443719842075
٢. Amanda Todd Case. (n.d.). The Canadian Encyclopedia. https://www.thecanadianencyclopedia.ca/en/article/amanda-todd-case
٣. Clark-Gordon, C. V., Bowman, N. D., Goodboy, A. K., & Wright, A. (2019). Anonymity and Online Self-Disclosure: A Meta-Analysis. Communication Reports, 32(2), 98–111. https://doi.org/10.1080/08934215.2019.1607516
٤. Eklund, L., Von Essen, E., Jonsson, F., & Johansson, M. (2021). Beyond a dichotomous understanding of online anonymity: bridging the macro and micro level. Sociological Research Online, 27(2), 486–503. https://doi.org/10.1177/13607804211019760
٥. Fox, J., Cruz, C., & Lee, J. Y. (2015). Perpetuating online sexism offline: Anonymity, interactivity, and the effects of sexist hashtags on social media. Computers in Human Behavior, 52, 436–442. https://doi.org/10.1016/j.chb.2015.06.024
٦. Gendered violence online: Cybersecurity for whom? (n.d.). Middle East Institute. https://www.mei.edu/publications/gendered-violence-online-cybersecurity-whom
٧. Grant, J. (2022, October 15). Aydin Coban sentenced to 13 years for sexual extortion of Amanda Todd. CBC. https://www.cbc.ca/news/canada/british-columbia/aydin-coban-sentencing-october-14-1.6616874
٨. Lapidot-Lefler, N., & Barak, A. (2012). Effects of anonymity, invisibility, and lack of eye-contact on toxic online disinhibition. Computers in Human Behavior, 28(2), 434–443. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0747563211002317



كتابة تعليق Write a Comment