إبداع المرأة وعوائق الثقافة السائدة*

A Woman Facing Walls

في الوقت الذي لا يزال فيه بعضهم يناقش محدودية عقل المرأة، قد تبدو مناقشة قدرتها على الإبداع أمراً أقل ألماً، ربما لأن المرأة ستشعر وكأنها قد كسبت بالفعل معركة إثبات “كمال” عقلها لتلتقط أنفاسها استعدادا ًلخوض معركة أخرى ضد الفكرة السائدة عن ذكورية الإبداع إلى الحد الذي يجعل بعضهم يتعامل مع نتاجها الإبداعي كيفما كان على أساس أنه “أقل” بصفته نتاجاً أنثوياً.

ومع تباين حدة هذه النظرة، إلا أن المرأة المبدعة تُعامل غالباً كـ”حالة” شاذة مخالفة للطبيعة الأنثوية كما تصورها الثقافة التقليدية السائدة. فالمبدع يمتاز بالاستقلالية والجرأة وحب المغامرة والأصالة، لكن هذه الصفات غير مقبولة اجتماعياً للأنثى، إذ يُطالب المجتمع الأنثى بتمثيل الدور السلبي الذي ينزع إلى المجاراة والارتباط والانقياد ورعاية الآخرين وعدم كسر النمط، وهي أمور تضيق المساحة اللازمة للتحليق في عالم الإبداع. فالاهتمام بما يعده المجتمع ذكورياً سيتم اعتباره نقصاً في أنوثة المرأة أو تعدياً على “الصلاحيات” التي يمنحها لها المجتمع، وقد يصل الاستنكار إلى مستوى التجريم والاتهام بارتكاب المحظور.

ولكن ما صحة الفكرة القائلة بأن هناك علاقة بين الجنس و مستويات الإبداع؟ هل هويتنا الجنسية تحدد قدراتنا الإبداعية؟ ما الذي يفسر قلة ظهور انتاج المرأة الإبداعي مقارنة بانتاج الرجل الإبداعي؟ هل قدرات المرأة الذهنية لا تؤهلها لبلوغ مستويات عليا من النبوغ والإبداع أم أن هناك أسباباً أخرى لعدم بروز النساء إبداعياً؟

الإبداع: قوة الطفولة

يختلف الإبداع في مدلوله عن الذكاء (مع أن بعضهم – إلى عهد قريب – كان يستخدم اللفظين للتعبير عن نفس المعنى)، كما أن الدراسات التجريبية الحديثة والقياس العقلي أكد أن الذكاء هو بالفعل شرط ضروري للإبداع، لكنه ليس الشرط الوحيد، فهناك قدرات إبداعية مستقلة عن القدرات العقلية المتعلقة بالذكاء، ومن هذه القدرات: الأصالة؛ أي حب التجديد والإعراض عن المألوف. ومنها أيضاً المرونة؛ و التي تعني قدرة الفرد على النظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. وكذلك القدرة على اكتشاف العلاقات؛ أي الربط بين الحقائق و دمجها لتؤلف وحدات جديدة، و قدرة الطلاقة؛ أي خصوبة الأفكار الإبداعية (1).

كما أن الإبداع لا يرتبط بمجال واحد فقط، ولكنه يشير إلى التميز والتفرد في أي مجال من المجالات: كالفن، والأدب، واللغويات، والعلوم، والقانون، والسياسة، والرياضة، وغيرها. فكل انسان متميز متفرد في مجاله هو فرد مبدع.

ولقد أجرى بعض العلماء والباحثين المهتمين بدراسة السلوك الإنساني عدداً من التجارب والأبحاث المختلفة، وعلى مدى عدة سنوات، ليصلوا إلى فهم أعمق للإبداع. كانت آراؤهم – التي هي نتاج ذلك البحث التراكمي المنظم – تشير إلى أن الذكاء هو القدرة على التفكير والتكيف العقلي مع البيئة، أما الإبداع فهو القدرة على التفكير بتميز وتفرد. فالإنسان الذكي – بناء على النتيجة السابقة – هو الإنسان “العادي” الذي لا تقل قدراته العقلية (ذكاؤه) عن المستوى الطبيعي، وإذن فكل الذين لا يعانون ضعفاً عقلياً هم أذكياء، لكن ليسوا كلهم مبدعين.

ومع ذلك فإن تلك الدراسات أكدت أن أغلبية الأفراد الأذكياء كانوا مبدعين في طفولتهم، لكن العوائق المتواصلة خلال مراحل الحياة المتتالية تقتل الإبداع تدريجياً لدى كثيرين منا، بينما يستطيع عدد من الناس أن يحافظوا على قدراتهم الإبداعية على مر السنوات بسبب توافر العوامل التي ساعدتهم على ذلك.

فلو أردنا أن نأخذ الإبداع البصري التشكيلي كمثال، سنجد أن معظم الأطفال تقريباً، إناثاً وذكوراً، يمارسون الرسم بطرائق متشابهة، أي أن رسوم الأطفال ذات سمات انسانية عامة، إذ تتميز بخصائص كثيراً ما تُلاحظ في رسوم جميع الأطفال الإناث والذكور بشكل عام وعلى حد سواء مهما اختلفت بيئاتهم ولغاتهم و أعراقهم. فالدراسات العالمية التي أجريت على آلاف من رسوم الأطفال حول العالم وضحت أن الأطفال لهم طرائقهم الخاصة في الرسم، وهي طرائق يلجئون إليها عامة بفطرتهم من دون تلقين مسبق من أحد (2). الإبداع إذن هو قوة تسود لدى جميع الأطفال تقريباً، إناثاً وذكوراً، أما بين الراشدين فهي أقل، ولهذا فإن علينا أن نتساءل: ما الذي يعوق هذه القوة الإنسانية العظيمة؟

الهوية الجنسية والإبداع

تُظهر اختبارات سمات الشخصية فروقاً بين الجنسين عند تطبيق هذه الاختبارات على عينات من الراشدين من النساء و الرجال، ولكن المثير حقاً هو أن هذه الاختبارات، وعند تطبيقها على عينات من الجنسين تحت سن الرابعة عشرة، أثبتت نتائجها عدم وجود أية فروق بين الجنسين في سمات الشخصية والاستعدادات والميول والاتجاهات العُصابية (3). أي أن الفروق التي ظهرت في اختبارات الراشدين ليست عائدة للجنس نفسه، ولكنها ترجع إلى الضغوط الواقعة على الجنسين من التربية والمحيط الإجتماعي والثقافة السائدة، أي من المفاهيم السائدة التي تتحكم في حياة الأفراد ضمن المجتمع.

و تؤكد الدراسات المتعلقة باختبارات الذكاء والنبوغ أنه لا يوجد فارق يُذكر بين متوسط ذكاء النساء والرجال في الذكاء العام، وأن الاعتقاد بتفوق الذكور إبداعياً – خاصة في مجال العلوم البحتة والتطبيقية والتقنية – سببه التنشئة والنظرة الاجتماعية لدور كل من الجنسين. إذ لا يعترف المجتمع بقدرات المرأة ولا يتقبل تميزها ويشكك فيما تنجزه من أعمال إبداعية.

فالأسرة تقوم بتربية وتنشئة وتعليم الولد على أساس أنه “يستطيع” أن يفعل كل شيء لأنه له كمال الحرية وكمال العقل، أي أنها ترسخ هذا المفهوم في عقل الولد، وتقوم بتنشئته ليكون عالماً أو مخترعاً أو مهندساً أو طبيباً أو قيادياً بارزاً، بنما لا تربي البنت على هذا الأساس أبداً، بل على العكس، تتم تنشئتها على أنها “لا تستطيع” أن تنخرط في المجالات السابقة، وأنها حتى لو استطاعت فستكون مجرد عدد إضافي لا فرداً متميزاً، ومما يزيد الأمر سوءاً هو أن الأسرة (والمدرسة في أحيانٍ كثيرة) تربي البنت على أساس أن تميزها إنما ينحصر في شكلها وإجادتها لأعمال المنزل، وأنها عندما تكبر فإن أقصى ما يجب أن تطمح إليه هو ن تكون جميلة الوجه والقوام وأن تحظى بزوج ناجح في عمله وحفل زفاف كبير وإنجاب أطفال.

لهذا فإن تفسير وجود عدد أكبر من الرجال المتميزين – خاصة في المجالات التي يرى المجتمع أنها مخصصة للذكور- لا يرجع أبداً إلى عامل الذكورة، وإنما بسبب عوامل اجتماعية و ثقافية، حيث الوضع الاجتماعي المتاح للمرأة منذ القدم، حال بينها وبين الاضطلاع بأي عمل من شأنه أن يكشف ما لديها من نبوغ وإبداع في كل المجالات، ولذا فإن قلة انتاج المرأة الإبداعي (لاسيما الإبداع العلمي) ليست بسبب نقص ما في قدراتها العقلية نتيجة عامل الأنوثة، بل سببها أن تميز الإناث لا يحظى باهتمام في طفولتهن من الأساس، فلا يتم اكتشافه وتطويره وتقويمه وتعزيزه.

الأمر يشبه تأخر بعض الشعوب بسبب عدم توافر الظروف الملائمة لتطورها، ففي العصر الحديث، معظم الإنجازات الإبداعية في عدة مجالات قد يبدو وكأن شعوباً معينة أكثر من غيرها هي التي أنتجتها، وهذا لا يعني أن تلك الشعوب “أذكى” أو “أكثر إبداعاً” من غيرها، ولكنها حظيت بفرص أكثر لنمو الإبداع وتطويره واستثماره، ومثل هذا ينطبق على كثرة إنجاز الرجال الإبداعي مقارنة بالنساء.

فالدور الاجتماعي الذي يصوره المجتمع للمرأة يضعها أمام خيارين صعبين: تمثيل النمط الأنثوي التقليدي، أو نبذها اجتماعياً وعاطفياً. هذا معناه أن المجتمع ينتظر من الأنثى أن تكون “امرأة نموذجية” حسب تقاليده بحيث يفرض عليها القبول باتجاهات وميول محددة سلفاً يتم تصنيفها اجتماعياً على أنها الصفات “الطبيعية” الممثلة لـ”الأنوثة”، وبذلك تنحصر اهتمامات معظم الفتيات في تجسيد تلك الصفات منذ الصغر.ينعكس هذا بالطبع على نماذج الإبداع التي تنتجها المرأة بحيث يجعلها أقل من تلك التي ينتجها الرجل. فالصورة النمطية السائدة لـ”الرجل النموذجي” أكثر ملائمة لنمو الإبداع، حيث يمنح الرجل استقلالية أكثر، ويحظى بمزايا اجتماعية إضافية تمنحه الثقة اللازمة لتطوير الإبداع وتحقيق غاياته.

اختلافات الاتجاهات والميول إذن (والتي قد تتعلق بالإبداع غالباً) هي صفات تُكتسب من خبرات الحياة، بل إن صفات الأنماط الأنثوية والذكورية النموذجية في مجتمع ما هي نفسها قد تكتسب أحياناً كثيرة بالخبرات والبيئة والظروف المحيطة (4). فزيادة الأخوة من أحد الجنسين، أو وفاة أحد الأبوين، أو التعلق الزائد بأحدهما، كلها تؤثر في اتجاه و درجة مقياس الأنوثة أو الذكورة التي يُظهرها الفرد.

كما لوحظ أن النساء اللاتي تعلمن تعليماً عالياً يحصلن على درجات في مقياس الذكورة أعلى من متوسط ما تحصل عليه النساء الأخريات عادةً، أي أنهن يقتربن من الذكورة، وكذلك فإن الرجال المثقفين ثقافة عالية ينطبق عليهم الأمر نفسه إذ يقتربون من الأنوثة. تجدر الإشارة هنا إلى أن المقصود بمقياس الأنوثة والذكورة هو: درجة تجسيد الفرد للصورة النمطية في المجتمع لما يوصف بـ”المرأة النموذجية” و”الرجل النموذجي” طبقاً للمفاهيم الاجتماعية السائدة. أي أن مقياس الأنوثة والذكورة تم تصميمه لغرض دراسة درجة تجسيد الفرد للصفات التقليدية النموذجية حسب ماهو سائد اجتماعياً وليس حسب طبيعة اتجاهات وميول الجنسين التي هي بالأصل متقاربة جداً.

وقد وُجِدَ أن ما ينطبق على النساء المثقفات والرجال المثقفين ثقافة عالية ينطبق كذلك على المبدعات والمبدعين، إذ تبين أن النساء المبدعات أكثر ميلاً للاستقلال والحزم والإصرار، وهي صفات يربطها المجتمع بالذكورة، كما وُجدَ أيضاً أن الرجال المبدعين يتسمون بحساسيتهم المرهفة والتعبير عن المشاعر والاهتمامات التي تنطوي على معانٍ جمالية أو عاطفية، وهي صفات يربطها المجتمع بالأنوثة.

وهكذا نستنتج أن نجاح الإبداع يتطلب خصائص شخصية (كالحساسية والإستقلال) قد تتعارض مع الرؤية الاجتماعية المتصلبة للأدوار التقليدية لكل من الأنثى والذكر، لهذا فإن القيام بالأدوار الاجتماعية بالطريقة المتزمتة التي تفرضها الثقافة الاجتماعية السائدة سيؤدي إلى التضحية بعدد من الخصائص الضرورية لنمو التفكير الإبداعي وتطوره بشكل عفوي لدى الجنسين. وهكذا نرى أن عامل الأنوثة ليس هو في الواقع سبب لقلة ظهور نتاج المرأة الإبداعي. فما السبب إذن؟

صراع القيم والأنماط

عندما يعوق النظام الاجتماعي اتجاهات أحد الأفراد و ميوله، فإنه في الغالب يفعل ذلك انطلاقاً من مفهوم عام لما هو مقبول وما هو مستهجن. وهذا يعني أن مشكلة المرأة في الواقع ليست خاصة، بل هي صورة حية عن مشكلة شاملة تنشأ عادةً من صراع متواصل بين عقل القيم وعقل الأنماط، فالعقل هو ميزان الصلاح والفساد، والصواب والخطأ، والاتزان والإضطراب، لكن مفهوم “العقل” نفسه محل خلاف، إذ ماهو العقل الذي نزن به الأمور في المجتمع؟ عقل القيم أم عقل الأنماط؟

القيم هي قواعد النماذج المثالية لمجتمع ما، وغالباً يتم إخضاعها للأنماط السائدة تدريجياً حتى يصل المجتمع لمرحلة تسود فيها الثقافة المجتمعية العامة، ومع ذلك فإن القيم قد تستمر، حتى لو بصعوبة، إذا استمرت فاعليتها في خلق واقع إيجابي يهذب الأفكار العامة على نحو متواصل.

أما الأنماط فتكتسب قوتها من الأثر الذي تحدثه في المجتمع مكاناً وزماناً، أي اتساع دائر انتشاره وطول المدة الزمنية التي يسود فيها النمط، أي أنه كلما كان أثر النمط أقوى، كلما اكتسب قبولاً اجتماعياً أقوى، وهذا ما يجعل تغيير القيم (ذات الطابع المثالي) أسهل وأسرع من تغيير الأنماط.

لهذا فالتنميط الخاطئ أخطر من القيم الفاسدة، لأن مجموع تلك الأنماط هو الذي يأخذ الحيز الأكبر في تشكيل الأحكام والثقافة العامة التي يتبناها المجتمع. وبعبارة أخرى: الثقافة العامة السائدة هي أكبر عائق يواجه الإبداع بشكل عام، وإبداع المرأة بشكل خاص.

الحدود الحمراء: خطأ تراكمي

في المجتمعات العربية، زاد الأمر سوءاً بسبب دمج أيديولوجيات اجتماعية و سياسية مع النصوص الدينية ليحدث بعد ذلك – بشكل عفوي أو متعمد – استخلاص تفسيرات هجينة خاطئة تخدم العقل الجمعي، حتى انتهى الأمر بأن صار التحريم والاستنكار هو الأصل في كل نشاط إبداعي، وكل نشاط تقوم به المرأة خاصة خارج دورها الاجتماعي التقليدي كزوجة وأم و مسئولة عن أعمال المنزل.

بالطبع فإن البعد الديني لهذه التفسيرات المتعسفة أكسبها الشرعية التي كفلت لها الاستمرارية والرسوخ والتعالي، لأن التسلح بالنصوص الدينية كان أشبه برسم حدود حمراء حول موضوع أهلية المرأة ودورها في المجتمع حتى ضاقت دائرة النقاش لتغدو حركة تأويل النصوص لا تتجاوز الفروق الفقهية البسيطة، أما الأحكام العامة التي بُنيت على تلك التفسيرات فقد ارتفعت إلى مرتبة القداسة المطلقة والتجرؤ على نقاشها – ناهيك عن التشكيك فيها – يفضي إلى الخصومة والإقصاء والتحامل وربما التشهير والتكفير كما لو كانت تلك التفسيرات الاجتهادية البشرية أكثر قداسةً من النصوص الإلهية نفسها.

ولهذا، و بدلا ًمن العودة للنصوص القرآنية والتأمل في معانيها، يعود المجادلون في حوارهم عن المرأة -من الجهلة أو حتى بعض المثقفين- إلى أقوال و تأويلات وتفسيرات من سبقوهم، وينظرون إليها كمصادر تشريع، ويتم عندها مناقشة تفسيرات النصوص لا النصوص نفسها، أي أننا ندخل في متاهات تفسير التفسير، وهذا ما يجعل العملية كلها أشبه بغربلة ما تم إصداره من أحكام بحثاً عما يتوافق مع أهواء الفِكر السائد في المجتمع، مع أن المنطقي هو أن الأحكام الفقهية المبنية على تفسيرات للنص القرآني والأحاديث النبوية يفترض أن تُدرس – على نحو مستمر إن لزم الأمر- لاختبار مدى صحة تطابقها مع رسالة النصوص نفسها.

من البديهي إذن أن نصل إلى مفارقات مزعجة عندما يتم تعميم أحياناً أحكام مسائل خاصة و نطلقها على عموم النساء، او تأويل نصوص مفتوحة إلى معانٍ ضيقة حسب فهم شخصي، أو ربما يحدث الأسوأ وهو الانطلاق أساساً من منظور غير محايد في تفسير النصوص واستنباط الأحكام وفقاً لهوى العادات والتقاليد والبيئة والنظام السياسي سواء كان ذلك بضغوط على من يستنبطها أم بدون ضغوط.

إن إساءة فهم النصوص الدينية المتعلقة بالمرأة على وجه الخصوص كان له أثر كبير في بقاء أهلية المرأة محل شك وجدل قديمين ودائمين. مع أن واقع الأمر هو أنه لا توجد نصوص دينية صريحة تنتقص من أهلية المرأة، ولا نصوص تقيد حريتها الإبداعية بالشكل الذي يشرعنه البعض دينياً، فالإسلام دين يدعو للإبداع و يحفزه ويشجعه ويكافئ عليه أيضاً لأن الإبداع – مثله في ذلك مثل أي نشاط انساني مثمر – عبادة عظيمة إذا سعى المسلم في تحصيلها طلباً لرضوان الله و خدمة الإنسانية.
وعلى النقيض مما ينادي به المتشددين في تأويل النصوص والتقليديين المتمسكين بالأنماط الاجتماعية المعتادة، فإن حبس المرأة و تقييد حرياتها وإخضاعها لوصاية الذكور يتنافى مع ما كفله لها الإسلام من حقوق، فالمرأة في منظور الإسلام فرد كامل الأهلية لها حقوق وعليها مسئوليات، و حقوقها ليس المقصود بها الحقوق الإنسانية والمدنية العامة فقط – كحقها في اختيار دراستها وعملها و زوجها والنفقة عليها وعلى أطفالها – بل أيضاً حقها في المشاركة السياسية انتخاباً و ترشيحاً، وهو حق لجميع أفراد المجتمع البالغين والمؤهلين إناثاً وذكوراً.

فنظام الحقوق ضمن الدين الإسلامي يؤكد ببساطة على أن الفرد المسلم مقيد فقط بما عليه من واجبات نحو الله و مسئوليات تجاه نفسه والآخرين ضمن علاقات متوازنة يتبادل فيها الأخذ والعطاء بالعدل، أما ما عدا ذلك فكل فرد هو حر حريةً تسع الأرض والسماء. إذن فكل تلك الممارسات التمييزية ضد المبدعين والمفكرين إناثاً وذكوراً – والتي تنسب عادة إلى الدين- ماهي إلا تمثيلٌ لعقلية المجتمعات الرافضة للإختلاف، وقصوراً متراكماً في فهم النصوص الدينية.

و مع أن أصحاب تلك التأويلات الخاطئة والمتعثرة للنصوص ربما كان بعضهم يحملون نوايا حسنة غايتها الإصلاح الاجتماعي و وضع معايير أخلاقية لتوضيح وتقويم دور المرأة في المجتمع، إلا أن الأحكام الفقهية التي أفرزتها تلك التفسيرات المغلوطة جعلت المرأة تبدو دائماً فرداً أقل أهلية يُناقش دورها و يقومه الرجل، ويحدد حقوقها و واجباتها الرجل، حتى أنك عندما تقرأ تلك الآراء المتعلقة بالمرأة تشعر أن أصحابها يتحدثون عن انسان قاصر مدى الحياة وبالتالي فلابد من وضعه تحت الوصاية الأبدية.

وهكذا أضرت تلك التاويلات بالمرأة والرجل والمجتمع ككل، إذ حرمت الرجل من نعمة متعة الشراكة العقلية مع المرأة الأم والأخت والزوجة و الابنة والزميلة، وكذلك حرمت المجتمع من الإفادة من ابداع المرة لمدد طويلة، فصارت مجتمعاتنا تؤمن بأسطورة الفوقية العقلية للذكر على أساس أن تلك الفوقية أمرٌ أقره الدين كمنحة ربانية اختص الله بها الذكر لدوره “المهم” في الحياة مقارنة بدور المرأة “الثانوي” الذي ينحصر في امتاع الزوج وخدمته و إنجاب الأطفال، وهذا ما قد يجعل الأنثى نفسها تتساءل ما إذا كانت تملك أو يمكنها أن تملك ذات يوم القدرات العقلية نفسها التي يملكها الذكر بصفته “الإنسان الأعلى” الذي يتم تصويره في ثقافة المجتمع العامة مثالاً لنموذج الكمال البشري، حيث القوة الجسدية والذكورة هما اللتان تمنحان صاحبهما السلطة والمكانة وتمكنانه من الهيمنة على المادة وتعطيانه حق الاستقلال، وهي نظرة تتفاوت نسبة حدتها من منطقة جغرافية لأخرى ومن زمن لآخر، إلا أنه كلما زادت الحاجة لهذه الخصائص في مكان ما أو زمان ما، كلما زادت أهمية الدور الأسطوري للذكر مقابل تهميش أكبر لدور الأنثى.

وبناء على ماسبق، يبدو منطقياً أن تفقد الفتاة شعورها بقيمتها وثقتها بنفسها وقدراتها ناهيك عن رغبتها في الإنجاز وتحقيق الذات، فيهبط بسبب ذلك مستوى انتاجها الإبداعي، و هذا ما تمت ملاحظته في دراسة شملت عدداً كبيراً من الأولاد والبنات في المدارس البريطانية، حيث توصل القائمون على الدراسة إلى أن تأخر البنات إبداعياً (رغم تفوقهن دراسياً) قد يكون خياراً لا واعياً من قبل البنات أنفسهن، إذ تمت تنشئتهن على أنهن “أقل” في بعض المجالات، وأن دورهن في الحياة محصور في شئون البيت والأطفال، مما جعلهن أقل ثقة بأنفسهن وأكثر تعرضاً لليأس فقلل ذلك من رغبتهن في تحقيق طموحهن لئلا يدخلن في مواجهة مع المجتمع. تفسير هذه الظاهرة إذن ليس في إجابة السؤال (هل المرأة تستطيع أم لا تستطيع أن تنجز عملاً إبداعياً كالرجل؟)، وإنما في إجابة هذا السؤال (لماذا تضطر المرأة للاختيار بين إنجاز العمل الإبداعي أو عدم إنجازه؟).

سحر الإرادة

المبدع بطبعه يحب ويقدس استقلاليته، وفي نفس الوقت، لا يحب أن يكون في حرب مع المجتمع ولا يمكنه أن يعيش في حالة صدام دائم معه، لكن المجتمع للأسف عادة ما يكون في حرب مع الفكر غير المألوف، فارضاً قيود أنماطه السائدة على حرية الإبداع، و تتضاعف هذه القيود بالطبع حول المرأة خصوصاً، مما يجعلها تشعر بأن عليها الاختيار بين التصادم مع المجتمع، وهو خيار مكلف جداً وردات فعله قد تطال حياة المرأة نفسها، أو الاستسلام التام لرغبة المجتمع بأن تبرمج نفسها على العيش في “جحيم” الآخرين، أو خيار ثالث يشبه أن تطل من قبر على عالم الأحياء، وهو ممارسة الإبداع في عزلة عن المجتمع خلف اسم مستعار، أو التعامل مع جهات ترعى الإبداع خارج البلاد، أو غيرها من صور الانفصال عن البيئة المثبطة، وذلك لتنجو بنفسها من التصادم المروع مع المجتمع أو رفع الرايات البيضاء في خنوع.

إن وضع المرأة بشكل عام والمرأة المبدعة بشكل خاص يكشف عن الكثير من الانتهاكات لحقوقها والتمييز ضدها، وهو يوضع يفترض بالمجتمعات المتحضرة ألا تسكت عنه أبداً. نحن إذن بحاجة إلى دراسة هذا الوضع من أجل المواجهة وإيجاد الحلول على الصعيدين الشخصي والعام، لأن الحلول التي نريد التوصل إليها يجب أن تكون شمولية و متواصلة التأثير على المدى البعيد، ولهذا يجب تنشيط الأبحاث والدراسات التي تهتم بكيفية التعامل مع المشكلات النفسية والمعوقات الاجتماعية التي تتعرض لها المرأة عموماً والمبدعات خصوصاً من كل الفئات العمرية، و وضع خطط لتشجيعهن و توجيههن بالتنسيق مع أسرهن في حال أظهروا إيجابية في التعامل، أو بحمايتهن من القمع والعنف الأسري في حال تعرضهن له، بالإضافة إلى مساعدتهن على التكيف مع المجتمع دون التنازل عن طموحاتهن وبأقل قدر ممكن من التصادمات لتمكينهن من كل ما يحقق لهن فرصاً متكافئة مع الذكور بما يتناسب مع مواهبهن وطموحاتهن في الحياة.

إن الإبداع النسائي بحاجة إلى إعادة النظر في وضع الإناث في المجتمع ابتداءً من التربية والتنشئة في البيت والمدرسة، مروراً بمناهج التعليم غير المحفزة للتفكير الإبداعي، والمواد الإعلامية التي تصور الأنثى في أدوار سلبية أوسطحية أواستهلاكية أواستعراضية، و القوانين والأنظمة التمييزية ضد الإناث، وانتهاءً بالمرأة المبدعة نفسها، وذلك عن طريق تدعيم ثقتها بنفسها والتركيز على الجوانب الإيجابية التي يمكن استغلالها لحفز الذات حتى تبقى قوية أمام رياح المثبطات المجتمعية فلا تستسلم للإحباط واليأس.

إننا عندما نحلم بأن نبدع أكثر سنحتاج لقوة أكبر لتحويل أحلامنا إلى واقع يتسم بالاستمرارية والصمود، خاصة عندما تعترض طريقنا العقبات، لكن حتى إذا لم تكن هناك عوائق واضحة ومباشرة، سيظل الإبداع بحاجة إلى قوة الإرادة حتى ينمو و يزهر ويثمر. فالإرادة هي القوة السحرية التي تجعل الإنسان قادراً على الخروج من ضيق أفق الأيديولوجيا.. إلى سماوات الإبداع الواسعة.

____________________________
* نُشر هذا البحث سابقاً في مجلة الفيصل.

المراجع:

(1) الإبداع: قضاياه وتطبيقاته، د.عبدالستار إبراهيم، ص (187) و (202).

(2) تحليل رسوم الأطفال، د. محمود بسيوني، ص (187).

(3) أصول علم النفس، د. أحمد عزت راجح، ص (298-299) و (354).

(4) Gendered Experiences, Choices and Achievements – Exploring Links, Journal of Inclusive Education, Morphy, P. & Elwood, Vol.2 pp. (95-118) https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/1360311980020202

في الوقت الذي لا يزال فيه بعضهم يناقش محدودية عقل المرأة، قد تبدو مناقشة قدرتها على الإبداع أمراً أقل ألماً، ربما لأن المرأة ستشعر وكأنها قد كسبت بالفعل معركة إثبات “كمال” عقلها لتلتقط أنفاسها استعدادا ًلخوض معركة أخرى ضد الفكرة السائدة عن ذكورية الإبداع إلى الحد الذي يجعل بعضهم يتعامل مع نتاجها الإبداعي كيفما كان…

كتابة تعليق Write a Comment

Feature is an online magazine made by culture lovers. We offer weekly reflections, reviews, and news on art, literature, and music.

Please subscribe to our newsletter to let us know whenever we publish new content. We send no spam, and you can unsubscribe at any time.

→ العودة

شكرًا لك على ردك. ✨

Designed with WordPress.