كانت لعمتي خلوة في بيت جدي بقريتنا الجميلة في اليمن، وكنت أتمنى مثل تلك الخلوة الصغيرة التي خزانة ملابسها ليست أكثر من فجوات محفورة في الحائط السميك، وسريرها عتبة مرتفعة توضع فوقها الألحفة، وفي صدرها مرآة، وعلى جدارها الأيسر شباك يطل على فناء الدار وأشجار الخوخ والتين والفلفل والياسمين والريحان والأبقار والديوك والدجاجات، وكان أكثر ما سحرني في تلك الخلوة درجات ثلاثة أو أربعة تقود لحجرة استحمام صغيرة جداً جدارهاالأيمن به تجويف يوضع فيه الصابون. سكنت عمتي إلى تلك الخلوة وسكنت تلك الخلوة إليها فلم يزعجهما أحد حتى فارقتها الحياة أيام الثورة المخطوفة، وما كنت أحلم أحياناً بأكثر من خلوة كتلك، لأن الوحدة خير من جليس الهم والغم والنكد.
تنتمي عائلتي إلى من صنعاء، بينما أعيش لا منتمية لأي أحد أو مكان أو زمان، وانتقلت العائلة لتسكن في إحدى قرى مدينة ذمار التاريخية الجميلة بالقرب من صنعاء، ثم انتقل والدي للأراضي السعودية قبل نحو 55 سنة من الآن، واستقر بالرياض حيث ولدت أنا وجميع أخوتي.
ولأن موظف الجوازات أخطأ في طباعة اسمي على بطاقة “الإقامة” كما يحدث عادةً منذ أكثر من 15 سنة، ولأن موظفة الجوازات نظرت إليّ شزراً وهي تزمّ فمها الصغير المصبوغ حتى بدا كأنه زر من أزرار قميصي الأحمر القديم، ولأنها أيضاً قالت لي بوجه عبوسٍ قمطريرا: “كفيلك يجي يعدل اسمك في الإقامة مو انتي!!” ثم أشاحت بوجهها عني دفعةً واحدة، ولأنني حظيت بلقب “أجنبية” لأكثر من ثلاثين سنة (بدت لي وكأنها كلها كبيسة) منذ ولدت في الرياض وحتى الآن، ولأنني قررت في لحظة وعي متأخرة أن أختلي بنفسي بعيداً عن كل هذا الغباء:أتيت إلى هنا.
أعتبر نفسي مواطنة عالمية وصديقة مخلصة جداً لكل انسان نقي، صادق، وغير مزيف، وأؤمن بأننا نحن البشر سنبقى دوماً مختلفين برغم التشابهات الكبيرة التي بيننا، بل أؤمن أن أكثر مشاكلنا هي بسبب أننا لا نتقبل هذا الواقع، لهذا أحترم حق الآخرين في أن يكونوا مختلفين، وهذا نادر جداً هذه الأيام، احتجت إلى وقت طويل حتى أدرب نفسي على تقبل هذه المنحة الربانية التي كنت أظنها مشكلة، لم يكن صعباً، ولن يكون صعباً أن تدرب أنت أيضاً نفسك على هذا لتكون قادراً على التعامل معي، فأنا مختلفة نوعا ًما عن كل من أعرفهم، لحسن الحظ فيما يبدو، ولهذا يهمني أن يحترم الآخرون حقي في أن أكون مختلفة عنهم، ويهمني أيضاً ألا تتجرأ على محاولة تصنيفي! إن لم تفهم هذا..لا تعكر صفو هدوئي هنا.
عانيت ولا زلت أعاني بسبب ثقتي بنفسي وابتسامتي العفوية، فالناس عندما يرونني لأول مرة يعتقدون أنني غنية ومغرورة، وهذا يجعل سائقي الأجرة للأسف يرفعون السعر عليّ، كما أنني أتعرض لملاحقة الشحاذين، ويتم تحميلي المسئوليات التي لا ناقة لي فيها ولا جمل ولا جحش، ويفترض البعض أنني خطيرة وشريرة وشيطانة، ويخاف مني الرجال، وتحقد علي النساء، ويكذب علي الأطفال، وأضحك على كل هؤلاء، وسيضحكون هم على أنفسهم أكثر عندما يعرفون من أنا.
لن تحتاج لوقت طويل حتى تعرف أنني فوضوية بعض الشيء في بعض الأوقات والأماكن وخاصة عندما تكون الفوضى محمودة، لست فخورة بهذا ولكنها صفة “أتمتع” بها وأنتفع بها جيداً ولذا فيمكنني اعتبارها إيجابية أحياناً كثيرة. أنا أيضاً عفوية جداً، صريحة، مرحة،وأقدرالوضوح والصدق والدعابة والبساطة، بمعنى آخر..أختنق من المتجهمين و السلبيين والسفسطائيين (وما أكثرهم!)، كما أن عندي حساسية شديدة جداً من أهل الغباء والتغابي والتغبية والوطنيين الشوفينيين والعنصريين والماديين والشكلانيين والإقصائيين وكل من يحب إضفاء هالات القداسة على البشر. وبدون شك: لا أحب التواجد بينهم إذا كانوا لا يتمتعون بفضيلة الصمت.
كنت أحلم بأن أساهم في مشروع إعلام عربي نزيه تخرج من رحمه حقيقة الغموض الذي يلف معاناتنا وصراعاتنا المستمرة، لكنني توقفت عن الحلم حتى أستعيد ثقتي بالجمهور الذي يهتم بالمهلبية والعصيدة والليالي الحمراء و السوداء أكثر من اهتمامه بالحقيقة!
الكتابة قدر بالنسبة لي وليس الأمر أنها أحب هواياتي. إنها شيء لم أختَرْه ولكنه اختارني. للأسف؟ لحسن الحظ؟ لا أدري.. ربما الاثنين معاً،ولكن أمثالي يتحولون إلى الكتابة طوعاً أو كرهاً، وعندما أتعب، أداوي عقلي وقلبي معاً بنظم الشعر، وأنشغل عن قبح القذارة المتراكمة حولي بالهروب إلى التصوير، وكلما أحرق صدري غثيان الواقع.. أرسم وألون، أو أخرج في نزهة مشي وحدي أو برفقة الكاميرا، وعندما يصيبني الغم من الزحام والتلوث و زعيق السيارات و معاكسات القرود، أعود وأنا أفكر في نقاط الشبه والاختلاف بين ما أراه حولي وما يمكن أن أراه في أية حديقة حيوان محترمة.
لن أكون مثيرة للإنتباه، ولامثيرة للإعجاب، ولكنني، في وقت فراغي، أكون عادةً مثيرة للتساؤل.
حتى الآن، المكتوب أعلاه هو أنا.