بالرغم من الضريبة المكلفة التي قد ندفعها أحياناً عندما نتعرف على أشخاص جدد، إلا أننا عندما نتعرف على انسان جديد سنفهم الحياة أكثر ونكتسب دائماً معارف جديدة كيفما كان ذلك الإنسان، لكن حتى يحدث هذا على نحو مثمر وإيجابي، يجب أن نفهم أفنسنا جيداً قبل أن نحاول إنشاء علاقات من أي نوع مع الآخرين، لأننا عندما نعرف “مَن” نحن و”ماذا” نحن، سنتأثر ونؤثر بشكل إيجابيّ دائماً، وسنفهم الآخرين بشكل أفضل، وهذا سيساعدنا على التفاعل الإنساني معهم.
قبل بضعة سنوات حظيت صدفة بالتعرف على زميلة جديدة، صرنا نوعاً ما صديقتين.. بسرعة نسبياً. من الممكن ذات يوم أن أكتب رواية كاملة عن تلك المرأة لأسباب أخرى مثيرة في شخصيتها غير رأيها عني، خاصة وأنها غادرت إلى بلدها محملة بصدمة ثقافية وخيبة أمل كبيرة، وهذا منطقي جداً مع أية امرأة لم تعرف السعودية من قبل، ومن المؤسف أنها مشغولة مثلي وأكثر، لهذا لم نتواصل بالرسائل أكثر من مرة.
أذكر جيداً كيف أصرّت ذات يوم على أنني أبعد ما أكون عن التدين ولهذا فإن كنت أدعي أنني متدينة فأنا متناقضة مع نفسي. كان نقاشاً تهكمياً ولكنه انطوى على الجدية. وتكلمت تلك الزميلة معي بأستاذيّة وكأنها تعرفني أكثر من نفسي، ربما كونها أكبر سناً بكثير وخبرتها الأكاديمية والمهنية جعلتها تتصور أنها أكثر إدراكاً مني للذات والآخر والحياة، ومع أنها لم تكن تقصد الإساءة أبداً إلا أنني اندهشتُ يومها من كونها استنتجت هذا الاستنتاج وأصرت عليه رغم أنني وضحت لها أن فكرتها عني غير صحيحة.
لم تكن زميلتي تؤمن بأي إله أودين، وكان لها بدون شك تصورها الخاص عن المتدينين، وبالرغم من أن زميلتي تلك تنتمي لعائلة مسيحية بروتستانتيّة، إلا أنها مع ذلك تستمتع بالسخرية من الدين المسيحي والطقوس المسيحية بشكل يتجاوز مجرد الدعابة، فالدين في تصورها هو الجهل، والسذاجة العاطفية، وتعذيب الذات، وإيذاء الآخر، وقمع الحريات، ولهذا لا يمكنها أن تراني متدينة أبداً ما دمت انسانة مرحة ومنفتحة الذهن وأحب الحياة وأتقبلها وأتعامل معها بإحترام!
مشكلتي مع تلك الزميلة وغيرها هي في الخلط المزعج جداً بين مفهومين: التناقض (الإيمان بضدين ينفيان بعضهما)، وتقبل الاختلاف (الإيمان بشئ وتقبل ماهو ضده أو مختلف عنه)، وهي مشكلة شائعة كثيراً.
يحدث مثل هذا يومياً في شبكة تويتر، حيث النقاشات الحادة، وتبادل التهم، والإقصاء والتجريم، والتجريح، وقلة الأدب، وطول اللسان، حيث هذه كلها سيدة الموقف، لذا فإنه من البديهي بداهة الحياة نفسها أن يتم وصفك بالتناقض لمجرد أن تنقل حقيقة، أو تعبر عن رأي، أو تفصح عن شعور، أو تتكلم عن حق.
فإذا أنت انتقدت حرق الكنائس في مصر مثلاً وبنفس الوقت أبديت مناصرتك لحق أية جماعة إسلامية في المشاركة السياسية فسيقول البعض أنت متناقض، وإذا كنت تدعو إلى الحشمة والعفاف وفي نفس الوقت تكلمت عن حق المرأة في العمل والدراسة وقيادة السيارة أو حتى الحصان والجحش فسيقولون أنت متناقض، وإذا أنت أيدت مشروعاً تنموياً لأبناء وطنك ومشروعاً إنسانياً لأبناء دولة عربية أخرى فأنت هنا متناقض وخائن وابن ستين…..!
تقبل الاختلاف هو نوع من التكيف مع ما/من نختلف عنه في سبيل التعايش. أما التناقض فهواضطراب فكري (وربما أخلاقي) قد يكون عابراً أو مستمراً بشكل متواصل، وعادة سيجعلنا بوعي أو بدون وعي نؤمن بشئ وننقضه بإيماننا بما هو ضده.
تقبل الآخر هو مثل أن تقول:
– أنا لا أحب الـ…….، ولكن من حقهم أن يبنوا معبداً لهم، ويجب تحفيزهم على الإندماج في المجتمع للتخلص من العنصرية.
(أنت هنا لاتحب/لاتقبل الآخر، وهذا أمر خاص بك، لكنك تتقبل وجوده وتعترف بحقوقه، وهذا واجب عليك).
أما التناقض فهو مثل أن تقول:
– أنا لا أحب الـ……، وليس من حقهم بناء معبد لهم، لأنهم عنصريون وتشجيعهم على البقاء في البلد ينمي العنصرية.
(أنت هنا تعبر عن رفض العنصرية وأنت تمارسها، فأنت تنتقد عنصرية الآخرين، ثم تصادر حقوقهم وتطالب بإخراجهم).
فإذا كنت تصف نفسك بأنك ليبرالي و مع ذلك فأنت تحاور المختلفين عنك بإنسانية وتحاول تفهم وجهة نظرهم وتعترف بحسناتهم وتنتقد سيئاتهم بموضوعية فأنت هنا متقبل للإختلاف.
وإذا كنت تصف نفسك بأنك ليبرالي ومع ذلك تحاور المختلفين عنك بإستعلاءوتطالب بإخراسهم أو قمعهم أو تشيطنهم فأنت متناقض.
وإذا كنت تصف نفسك بأنك تنتصر للحق وتحارب الظلم ضد أبناء بلدك أو جماعتك وفي نفس الوقت ترفض وتستنكر وتحاول منع الظلم على الآخرين حتى لو كانوا أعداءك فأنت هنا متقبل للإختلاف.
أما إذا كنت تصف نفس بأنك تنتصر للحق وتحارب الظلم ضد أبناء بلدك أو جماعتك وفي نفس الوقت تصفق للظلم الواقع على الآخرين فأنت هنا متناقض وحمار أيضاً!
ليست هذه الإشكالية غامضة إذن، وكنت أظن أن الناس يسيئون تفسير بعضهم البعض بقصد أو بدون قصد كنتيجة لعداء أو خلاف ما، ولكنني أدركت مؤخراً أن هذا ليس ضرورياً لتصنيفك بشكل خاطئ خاصة في عصرنا هذا حيث التحزب الفكري المدمر، فأغلب الناس الآن سيرمونك بالتناقض عندما تعبر عن فكرة ما على نحو مختلف عن صورة تلك الفكرة في أذهانهم، ومن هنا يلجأون لتصنيفك بناء على تصورهم الخاص بتلك الفكرة. ضع هذا دائماً في الحسبان خاصة وأنت تحاور من يختلفون عنك، لأنه لا شئ يمكن أن يكون استفزازياً في تعرفك على أناس جدد أكثر من أنهم يطلقون عليك أحكاماً بناء على تصوراتهم هم، وسيؤذيك هذا بلا شك، وربما تحاول تغيير نفسك لتبدو إنساناً متزناً أو منسجماً مع ذاته في نظر الآخرين رغبة في اعترافهم بك أو خوفاً من النبذ، ولكن هذا يحدث عادةً عندما تكون شخصاً لا يعرف نفسه بالأصل.
لهذا عليناأن نتذكر دوماً أن حكم الآخرين على صحة تصنيفنا لأنفسنا يجب أن يكون مبنياً على تعريفنا نحن وليس هُم لذلك التصنيف، ولكن إذا كنا لم نصل بعد لإدراك عميق لمن نكون نحن، فليس صعباً أبداً أن نتأثر بنقد الآخرين السلبي، وستحاصرنا التيارات الغالبة في المجتمع الذي نعيش فيه حتى تقولبنا بشكل جامد لا يسمح بوجود الاستثناءات، ولا يعترف بالآخر الذي نحتاج إلى التفاعل معه طوعاً أو كرهاً.
إن الأشخاص الذين يعرفون أنفسهم جيداً يعيشون سلاماً ذاتياً ينعكس على تفاعلهم مع الآخرين، لأن لديهم غالباً القدرة على النظر من زوايا الأطراف الأخرى في العلاقات التي ينشئونها، ولهذا فحتى وإن أزعجهم تصنيف الآخرين القسري لهم، إلا أنهم يتمكنون دائماً من رسم صورة محددة لذواتهم وأفكارهم، وهي صورة يرونها هم جيداً و بوضوح، قبل أي أحد آخر.