يبدو أن مقولة رالْفْ إيمِرسون عن أننا نخسر شيئاً مقابل كل شيء نكسبه هي أصدق ما يمكننا أن نصف به وضع الإنسان في هذا العصر، ففي الوقت الذي نستطيع فيه أن نتفاخر على الأجيال السابقة بقدرتنا على إدارة حياتنا إلكترونياً، والاشتراك في ثقافة غذائية عصرية مع كل سكان الأرض، والاتصال بأي نقطة في العالم بضغطة زر، إلا أن أكثرنا يعيش معاناة شتاء جاف وموحش على المستوى الإنساني.
قبل أكثر من ثلاثين سنة، كان علماء علم النفس، يصفون المجتمع المتحضر الحديث بالمجتمع الأكثر تعقيداً، وكان تقييمهم للوضع النفسي للأفراد هو شيوع القلق والحيرة والارتياب والارتباك بين الناس، وهذا يعني أن الوضع اليوم غدا أكثر سوءاً على الصعيد النفسي، لأن هذا الوضع هو محصلة تراكمية لما مرت به البشرية من صعوبات وضغوطات حتى الآن.
فالتغير الاجتماعي السريع والشامل فيما بعد الحرب العالمية الثانية سبب للبشرية هزات نفسية عنيفة، واضطرابات في العلاقات السياسية، وانقلاب في أشكال وأنماط الحكم والمجتمع والأسرة، وصراعات أيديولوجية مختلفة، وتقدم صناعي مفاجئ لم يسبق له مثيل، وهذا بلغة علماء النفس، يعادل المرور بألوان شتى من الأزمات والتجارب القاسية، مما ترك أثره الواضح في نفسيات الناس، لأن معتقداتهم المألوفة لم تكن كافية في أوقات الشدائد للتماشي مع سلوكيات جديدة وعادات مستحدثة في الحياة اليومية. ومثل هذا الوضع يكاد ينطبق على وضع البشرية اليوم، إذ مر العالم بأزمات سياسية واقتصادية متتالية وسريعة، دون استراحة لالتقاط الأنفاس، وانقلبت نظم الحياة التقليدية بشكل دراماتيكي سريع، حتى أن الأحداث والأشياء التي يمر عليها أكثر من خمس سنوات تبدو قديمة جداً في منظور الإنسان الجديد، لكثرة الأحداث والمنجزات التي يسمع عنها الإنسان في اليوم الواحد.
الجميع يجري مع المشاهد المتسارعة حوله، والأكثرية يشكون من أنهم لا يجدون وقتاً فارغاً لأن الصعوبة البالغة تكمن في أن التغيير جاء سريعاً متلاحقاً لا تستطيع قدرة الإنسان مسايرته لأجل التوافق والتكيف على الوضع الجديد، وهكذا فإن سرعة التغير كانت مشكلة أخرى إلى جانب التغير نفسه، وصار من البديهي أن أكثرنا يقع تحت ضغوط جدول أعمال مزدحم وموزع بين المهام والمسئوليات التي تبدو وكأنها لا تنتهي، حتى لم يعد هناك وقت لتأمل الحياة.
إن إنسان اليوم يطغى عليه شعور قاسٍ بأن الزمن اليوم لم يعد بعداً فيزيائياً فحسب، بل بعداً اقتصادياً أيضاً، فوسائل المواصلات المتطورة و تقنيات الاتصالات التي ربطت أطراف العالم ببعضها جعلت من الدقيقة الواحدة مخزناً لمئات الأحداث، ففي دقيقة واحدة يمكن أن نمارس عملاً يؤدي إلى مكاسب كبيرة أو خسائر فادحة، لأن التواصل المباشر الفائق السرعة عبر الإنترنت و الهواتف النقالة خلق معارك تنافسية هائلة في العالم بأسره، وهذا بدوره أفرز أنماطاً اقتصادية جديدة غيرت ملامح الكثير من المجتمعات بل وحتى بعض الدول، وتركت بصماتها الواضحة على نفسيات الكثير من الناس، لأن معظم السلع والخدمات التجارية ستتنافس على اصطياد العملاء، أي أن السوق صارت أكبر، ونسبة العرض فاقت أضعاف نسبة الطلب، حتى صار الإنسان ضائعاً بين حيرته ورغبته، وتحولت المنافسة بين الشركات إلى منافسة موازية بين المستهلكين. من البديهي إذن أن الوضع الاقتصادي العالمي الجديد زاد من نسبة البطالة والفقر والغلاء بعكس الإدعاءات التي روجت له سابقاً، لهذا، وبحثاُ عن الشعور بالأمن، توجه الأفراد إلى الاهتمام بتجارة الأعمال الصغيرة لكسب العيش، وصار الأمن الاقتصادي هاجس الأكثرية، مما أعطى للفكر المادي الربحي أهمية وقبولاُ أكثر في المجتمع باختلاف طبقاته.
في ظل هذا الوضع ارتفع شعور الإنسان بالقلق والتوجس من المستقبل، فهو يفتقر للأمن النفسي الذي هو حاجة أساسية لا يستغني عنها أي إنسان، إذ كيف يمكن له أن يعيش مقيداً بالخوف على صحته أو مستقبله أو عائلته أوحقوقه أو مركزه الاجتماعي؟ التهديد الذي يعاني منه الإنسان لم يعد مجرد وهم، بل صار جزءاً من مفردات الحياة اليومية، فهو شيءٌ نسمعه في الأحداث العالمية التي تبثها وكالات الأنباء، ونشعر به عند غلاء الأسعار، أو زيادة البطالة، أو الانتشار المفاجئ لأوبئة جديدة ومتنوعة، أو ارتفاع معدلات الجريمة وتعدد صورها على نحو مروع.
إن الإنسان يحتاج لأن يشعر بأن حقوقه مضمونة حتى في أسوأ الظروف مثل حوادث العمل والشيخوخة والعجز والوفاة والإفلاس، لكن انسان هذا العصر بشكل عام لا يحصل على ضمانات من هذا القبيل، بل يغمره ذلك الشعور المضني بالعزلة لأنه يعرف جيداً أن عليه أن يقف بمفرده يواجه أعاصير الحياة دون أن يشعر بدعم المجتمع له، فالمجتمع (بشكله الإقليمي الضيق) لم يعد يتقبل الفرد (بهويته الموسعة)، والمجتمع الذي تحالف مع الاتجاه المادي، تجاهل من لا يمكنه اللحاق بقطار المنافسة، وهكذا تم إحباط حاجة نفسية ثانية، وهي حاجة الفرد للانتماء، إذ سرعان ما يشعر الفرد بالعزلة والوحشة والاغتراب، لأنه يرى أن الجماعة التي ينتمي إليها (سواء كانت صغيرة كالأسرة أو كبيرة كالمجتمع المحلي أو المجتمع العالمي الأكبر)، يرى أنها تستغله أو تضطهده أوتتحكم فيه أو لاتعترف به، فهو يقاسي العنف في الأسرة، دون أن يجد من يلجأ إليه أو يدافع عنه، ويقع ضحية الاستغلال وهضم الحقوق في العمل، لكن ذلك يُقابل بتجاهل سافر من قبل الأنظمة، ويتعرض وطنه لعدوان عسكري أو تهديد معلن، ومع ذلك لا يحرك المجتمع العالمي ساكناً، أي أن العدوان بات يديهياً بداهة الحياة نفسها، وحل محل الاستنكار أو الاعتراض خليط من اللامبالاة واليأس من إمكانية العيش على نحو أفضل من الواقع الحالي، فالسعادة حليفة المحظوظين، والمحظوظون هم الأقوياء والأغنياء فقط.
وقد يعتقد البعض أن الأمر لا يتجاوز الشعور بالأسى، إلا أن حاجة الإنسان للانتماء تفوق الأهمية التي يتوقعها الكثيرون، وهي ليست مجرد انتماء بيولوجي أو عرقي، بل هي انتماء إلى مجموعة تؤمن لأفرادها الشعور بالمشاركة والتفاعل والاهتمام والتقدير والدعم، وانعدام الشعور بالانتماء لدى الفرد ليس له أضراره على المجتمع فقط، بل أضرار صحية واضحة على الفرد أيضاً، فعدم وجود ارتباط قوي ثابت ضمن رهط اجتماعي، له نتائجه السلبية على مناعة الإنسان، إذ أكدت بعض الأبحاث الطبية بأن قوة المناعة تنخفض بشدة وبشكل ملحوظ عند الأفراد الذين يعانون الشعور بعدم الانتماء أو أولئك الذين يعيشون في غربة، أو فقدوا شركاءهم أو أقرباءهم، لذا يؤكد علم النفس الحديث على أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن هناك علاقة نفسية-بيولوجية بين مناعة الجسم والانتماء لجماعة، وهذا ما يفسر رغبة بعض الجمعيات والمنظمات في العالم بإقامة مؤتمرات تؤكد على فضائل الانتماء للجماعة، والتعاون والتكاتف بين أفرادها، والاهتمام بالآخرين، وهذا أيضاً، ما نلاحظه في اهتمام جميع الأديان بالتأكيد على ذلك، والحث على الإحسان للآخرين وتشجيع أعمال الخير، والحكمة من ذلك ليست مجرد تقديم العون لأفراد المجتمع، بل تعزيز الصحة النفسية والبيولوجية لأفراده.
ومع مرور الزمن، يبدو المشهد ككل أكثر تعقيداً، وهذا من شأنه أن يخلق مشكلات جديدة بسبب ازدياد الاحتكاك بين الناس واحتدام الصراع في التعاملات الاجتماعية والاقتصادية سعياً لإرضاء الحاجات النفسية والمادية، وخوف الإنسان من الإنسان، وخوفه كذلك من الفشل، حتى أن الناس باتوا حيرى مشتتين بين حاجتهم للانتماء والتكافل والتعاون، وبين الدخول في صراع شديد لإشباع الحاجات. فالمجتمعات المعاصرة تشكل في مجموعها صورة لحضارة هذا العصر التي تقدس التقدم التقني والمادي، وتعطي الفرد أهميته بناء على هذه القيم، إذ تقلل من أهمية الإنسان لذاته ما لم يكن منتجاً، فيشعر الفرد بأنه منبوذ مهجور في عالم يستغله ويغشه ويسخر من عجزه عن إصلاح وضعه.
إن الأنماط التجارية الحديثة شجعت التنافس المسعور دون اعتبارات للإنسانية، وجعلت كل إنسان يعيش لنفسه، فهي في جملتها تمثل فكر حضارة المادة المهووسة بالسرعة والتوتر والضجيج، مما يوفر بيئة موائمة للاضطرابات النفسية ذات الطابع العدواني، فزيادة الحاجة للتخصص مثلاً من أجل تلبية حاجات السوق المعاصرة، وكذلك الهجرات، والحروب، والتقلبات الاقتصادية والسياسية والثورات الشعبية الغير متوقعة، كلها زادت من الضغوطات التي يعاني منها الأفراد للحصول على وظائف مضمونة، وخاصة فئة الشباب، وهو ما قد يدفعهم للعنف أو الانخراط في جماعات سلبية أوعدوانية، بحثاً عن الانتماء والتقدير، أو رغبة في الانتقام من المجتمع الذي قابل احتياجاتهم بالتجاهل، فصار مألوفاً أن نسمع الأرقام الكبيرة لحوادث السرقة، والاعتداء على الآخرين ، و الانتحار، والعنف الأسري، والإرهاب.
وعلى الصعيد الأسري والعلاقة بين الجنسين، ترتفع معدلات الطلاق بشكل ملحوظ في علاقة طردية مع ارتفاع نسبة التمدن والرقي، ويوازي ذلك أيضاً ارتفاع نسبة الشباب العازفين عن الزواج من الجنسين، حيث يغلب التوجس والقنوط والخوف من الفشل في تحمل المسئولية، في حين يفضل البعض البحث عن علاقات زوجية “جاهزة” تعتمد على الوضع المادي والشكل الخارجي، لأنه لم يعد هناك وقت للتقارب والتعارف والحب، ولم تعد الأهمية الكبرى تعطى لفكر أوشخصية طرفي العلاقة الزوجية، حتى أن البعض يدعي بأننا نستطيع اختزال معاناة هذا الإنسان العالمي في أن كل شيء حوله يبدو أثمن منه، لأنه لم يعد أكثر من مندوب يسوق الأفكار المادية، في سوق كبير يعرض مفاهيم هذا “الشتاء” الاجتماعي، والذي طغت فيه الرغبات الحسية على العواطف النبيلة، وهمشت فيه المشاعر الإنسانية الراقية إلى حد يدنو من الاحتقار.