هل يمكن أن يكون الأدب دواء؟ ربما أكثر من لهم صلة وثيقة بالأدب كتابة وقراءة سيكون جوابهم “نعم”. فالشعراء مثلاً يجمعون أحزانهم في قصيدة يلقونها على الآخرين ليخففوا بها من أثقال همومهم، و هم بهذا يقدمون لمن يقرأ لهم جلسة بكاء على الأطلال لتبادل الحسرات و التشافي بالتأوه واجترار الآلام. إن ما يفعله الشاعر حين ينظم قصيدة هو الولوج الى أعماق ذاته ليرى وجه مشاعره جيدا قبل أن يصورها لنا، وهو بهذا يعيش ألمه مرة أخرى لأنه يعرف أن هذا المواجهة مع الألم هي التي ستخلصه منه، هذا يشبه ما نفعله حينما نضطر للضغط على الألم ليهدأ.
ولأن كلمة “الدواء” أوسع من مجرد أن تكون علاجاً لألم أو مرض فقط، إذ تعني بشكل عام حل لمشكل ما، فهي وصف مناسب جداً لوظيفة الأدب في حياتنا، فنحن نمارس الأدب لنعالج الملل بنصوص مسلية أو ساخرة، ولنعالج القهر بنصوص تنضح بالشكوى والتظلم، و لنعالج الكبت بإطلاق أرواحنا عبر وهم الأمنيات والخيالات، بل ولأكثر من هذا، نحن نمارس الأدب لنعالج قضايا أكبر في أوقات الحروب ومواجهة الأعداء.
فالعربي في الجاهلية يخوض الحرب كأسلوب حياة بديهي، لهذا صوّر الشعر الجاهلي هذه الحقيقة ليس في سبيل التوثيق بالأساس وإنما لإرسال إشارات التحذير للخصم قبل مرحلة المواجهة، ثم لترويعه وتثبيطه وتحطيم معنوياته مع اقتراب المواجهة، ثم الفخر ببطولات المعركة بعد الإنتصار إمعاناً في إذلال الخصم وتعزيزا للسلطة والمكانة.
و ربما يمكننا إدراك ذلك بسهولة عند مطالعة الشعر العربي الجاهلي الذي شتعل بالحماسة والعاطفة والانفعال. الشعر يومئذٍ كان دواء تعالج به الأمور مع الأعداء في زمن الحرب، فهو إذن سلاح فتاك! وهذه نتيجة طبيعية للدور الحربي الذي كان الشاعر الجاهلي ينهض به في قبيلته، حين كان يثير رجالها للغزو والثأر، ويحرّض فرسانها على خوض المعارك، فنقرأ كيف يمجّد شعراء الجاهلية تلك الأخلاقيات المتعلقة بالحرب من نجدة ونخوة وتضحية وفداء وشهامة وإيثار ودفع عن الضعيف وحماية للجار والمستجير وذود عن الحمى والحرية والأعراض والأنساب. وفي كثير من الآداب العالمية، نجد نصوصاً بأنفاس ملحمية تمجّد القوّة والبطولة والشجاعة والصبر في المعارك وتهزأ بالضعف والجبن، وكذلك نصوصاَ تزدحم بصرخات الحرب والدعوة إلى القتال. فالأدب إذن كان طباً و ثروة ومعرفة وسلاح.
هذا الدواء الذي أسميناه أدباً، وبغض النظر عن كل النظريات الأدبية والنقدية التي تحاول أن تصفه أو تفسره أو تحدده، لايزال صالحاً إلى اليوم لعلاج نفس المشاكل القديمة قدم الإنسان نفسه وأكثر منها. ومع ازدياد قنوات انتشار المعلومات وتبادله، فبإمكان الأدب أن يكون الدواء الأكثر رواجاً من غيره من “أدوية” الإنسان المعاصر. إن مواقع التواصل الإجتماعي، والمدونات، والأغاني، والسينما، والتلفاز، وغيرها، كلها تتغذى على الأدب نثراً وشعراً. يعالج الناس به الألم والأماني والضجر والأكاذيب.
إذن فالتعامل مع الأدب بوصفه رفاهية أو مجرد ممارسة للتسلية من قبل من يصنع الأدب أو يتلقاه هو مخاطرة . الأدب – في مرحلة ما من حياة كل مجتمع – يجسد فكر المجتمع ويحاكيه، وبتداخله مع التيارات السياسية والإجتماعية والدينية السائدة، يصوغ الأدب فكرالمجتمع ويبرمج عقله الجمعي ليتمكن – فيما بعد – من تسيير أموره.
فالأدب ليس مجرد خلق لنصوص مؤثرة فقط، بل هو وسيلة لممارسة الحياة بشتى صنوفها وألوانها، وفي هذا يقول عبد السلام بنعبد العالي في كتابه (الفلسفة فنّاً للعيش): “ما نفع الأدب إن لم يكن موجهاً إلى الحياة؟”.
أي إهمالٍ إذن سندفع ثمنه عندما ننظر لقراءة الأدب و تعاطيه كبذخ اجتماعي؟ وأي إهدار لثروة المعرفة عندما لا يمكن لكاتب أو شاعر أن يعالج قضايا مجتمعه الملحة بسبب الخوف من قطع الرزق.. أو قطع اللسان؟
____________________________
(*) مقال نشرته في جريدة “عُكاظ”.
@hayaatq
#أدب #إبداع #اليمن #العرب #لغةعربية #عربي #عرب