ترجمة: حياة قائد
إن نجاة دول الخليج حتى الآن من موجة الربيع العربي يعود إلى العقود الاجتماعية غير المكتوبة بين الأسر الحاكمة وشعوبها. عادةً، كانت تلك العقود، بالإضافة إلى الاستراتيجيات المكونة لها، كافية لاسترضاء المواطنين في الداخل، وتلبية احتياجات الذين يعيشون في الخارج منهم، وضمان درجة معينة من القبول السياسي من السكان، مما سمح لحكومات الممالك الخليجية بتجنب اللجوء للقمع العنيف، حيث استطاعت الأسر الحاكمة استرضاء مواطنيها من خلال توزيع الثروة.
وبالنظر إلى الفوارق الاقتصادية والديموغرافية بين دول الخليج الست، فإن مكونات عقودها الاجتماعية تختلف من دولة إلى أخرى، ومع ذلك، هناك أنماط وقواسم مشتركة كثيرة بينها يمكن التعرف عليها بسهولة.
فكل ممالك الخليج قد أكدت على أنها هي الموزع الأول والأخير للثروة، ويمكن القول أن هذه هي الركيزة الأساسية لبقاء النظام الملكي، فالثروة التي يُستمد معظمها من عائدات النفط أو من الأجور الناشئة عن أنشطة ما بعد النفط في الآونة الأخيرة، وفرت للأسر الحاكمة وحكوماتها شرعية كبيرة. كما أن قدرة هذه الدول على تعزيز الهوية الوطنية ومكانة مواطنيها ترتبط ارتباطا وثيقا بهذا الأمر حيث يتم فوراً تحديد المستفيدين من توزيع الثروة وتعيينهم في مناصب عمل ذات مزايا.
في هذه الممالك الغنية يتم رفع المواطنين تلقائياً فوق كل شرائح السكان الأخرى. وفي الوقت نفسه يمكن للملايين من المغتربين الذين يعيشون ويعملون في دول الخليج أن يكونوا راضين بالمثل حيث أن معظمهم قادرون على التمتع بدخل معفى من الضرائب الدخل، فيخططون عادة للعودة إلى ديارهم بعد سنوات قليلة. أما أولئك المغتربون الذين لا يتسمون بالطاعة فيتم ترحيلهم بسهولة.
المكونات غير الاقتصادية للمساومات على استمرار الحُكم مهمة أيضا إلى حد كبير، وخاصة في تلك الممالك التي بدأت تضعف فيها القدرة على توزيع الثروة. في كثير من الحالات، استثمر الحُكام في دول الخليج الوقت والجهد لتوليد الموارد الشخصية؛ وغالبا ما تستند في هذا إلى الإنجازات الرياضية والأكاديمية، أو إلى استغلال مكانتهم وشهرتهم. كان الهدف من ذلك هو الحفاظ على جو من السلطة التقليدية لهؤلاء الأفراد بحيث يمكنهم التحكم بشعوبهم. وكمثال على هذا: التمويل السخي للمتاحف وغيرها من المشاريع التي تركز على التراث القبائلي للأسر الحاكمة في تلك الممالك في مرحلة تاريخ ما قبل النفط.
يشابه هذا في الأهمية استغلال الدين، وهو الإسلام غالباً، لا حصراً. حيث عملت الأسر الخليجية الحاكمة بجد لتوليد صورة التقوى، في حين مولت حكوماتها المؤسسات الدينية بحرص، وسيطرت على معظم أجزائها لتواجه وتقابل بها المعارضة الدينية.
حتى الآن، نجت ممالك الخليج من الربيع العربي نتيجة لاقتصاداتها الأكثر قوة في التوزيع وقدرتها على تسخير الموارد الأخرى غير الاقتصادية المكسبة للشرعية. ومع ذلك، فإن السنوات القليلة المقبلة ستكون بعيدة عن الهدوء مع الاضطرابات الكبيرة التي بدأت بالفعل في تلك الممالك التي جاهد فيها الحُكام للتشبث بالطرف الذي يمسكون به من العقود الاجتماعية، خاصة في البحرين وسلطنة عمان.
_________________
(*) كريستوفر ديفيدسون هو أكاديمي بريطاني، له اهتمامات بحثية طويلة الأمد في السياسات المقارنة للشرق الأوسط، حيث ركز الكثير من أعماله على فن الحكم وهياكل السلطة في دول الخليج. وله منشورات أيضًا حول قضايا الاقتصاد السياسي الدولي (المتعلقة بالشرق الأوسط والخليج)، وسياسات الثورات والثورات المضادة، وأصول وأساليب عمل المنظمات الاستخباراتية، وتاريخ التعليم في المجتمعات التقليدية، وتدويل التعليم العالي، وتأثير التعلم الإلكتروني.